السفير ابراهيم عمر الدباشي

كلمتي أمام مجلس الأمن يوم 2015/3/4 حول الوضع في ليبيا

2015/3/4

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس
يطيب لي في البداية ان اهنئكم على توليكم لرئاسة المجلس خلال هذا الشهر، واشكركم وأعضاء المجلس على اتاحة الفرصة لوفدي للحديث في هذا الاجتماع، وأشكر السيد بيرناردينو ليون، الممثل الخاص للأمين العام، على إحاطته وأتمنى له النجاح في مساعيه. كما أشكر سعادة السفير حسين حنيف، المندوب الدائم لماليزيا ورئيس لجنة العقوبات على ليبيا على أحاطته، واتمنى له ولوفده النجاح في قيادة اعمال اللجنة خلال فترة رئاسته.
واذ اتحدث عن عمل لجنة العقوبات اريد ان اؤكد من جديد ان هناك حاجة الى الشفافية والتعاون في التعامل بين بعثة ليبيا لدى الامم المتحدة ولجنة العقوبات، لان السلطات الليبية الشرعية كما قلت سابقا شريك لمجلس الامن في ضمان عدم انتهاك حظر السلاح من جانب الفاعلين من غير الدول والتنظيمات الإرهابية، ونامل ان نحصل على تقارير فريق الخبراء في الوقت المناسب لنشاطرها مع الخبراء في حكومتنا قبل ان تعرض على المجلس، وأرجو ان تأخذ اللجنة ذلك في الاعتبار في المستقبل.
وبالنظر الى ان الجيش الليبي يخوض حربا ضد التنظيمات الإرهابية في ليبيا، والتي أعلن بعضها الولاء لداعش فان من مصلحة السلم والأمن في ليبيا والمنطقة والعالم بأسره ان يتم تسهيل إجراءات حصول الجيش الليبي على السلاح، إما برفع الحظر او تسهيل إجراءات الاعفاء من الحظر. وقد أبلغنا لجنة العقوبات بالإجراءات الجديدة التي قررتها الحكومة الليبية المؤقتة لضمان عدم وصول السلاح المعفي من الحظر الى اي جهة اخرى غير الجيش الليبي، ومن بين تلك الإجراءات قصر نقاط الاتصال على نقطة واحدة، كما ذكر السيد رئيس لجنة العقوبات، تتمثل في رئيس الأركان العامة للجيش الليبي وبعثة ليبيا لدى الامم المتحدة في نيويورك، وهذا الإجراء تقرر نزولا عند رغبة بعض أعضاء لجنة العقوبات. والجيش الليبي مستعد لقبول مراقب للتأكد من ان الأسلحة التي وافقت عليها اللجنة قد سلمت فعلا للجيش الليبي النظامي.
اسمحوا لي أيضا ان اشيد بالجهد الذي يبذله فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات، واثني على التقرير الواضح والموضوعي المقدم للمجلس والذي يتناول المسألة من جميع جوانبها، ويشير بكل وضوح الى ان ميليشيات فجر ليبيا هي المسؤولة عن اعاقة المسار السياسي، ويورد الأضرار التي ألحقتها بالبلاد. كما يشير الى مسؤولية بعض قادتها بالإسم. وهو يدحض في نفس الوقت المزاعم التي تقول ان غارات السلاح الجوي الليبي قد تسببت في أضرار بين المدنيين.
والتقرير على عكس تقرير الامين العام لا يستخدم اصطلاحات ميليشيات فجر ليبيا ولا يحاول غض النظر عن وجود الجيش الليبي، والانجازات التي حققها في بنغازي. وبهذه المناسبة أكرر من جديد ما سبق وان قلته امام هذا المجلس؛ ليس من حق اي دولة ان تتدخل في قرارات السلطات الليبية المنتخبة فيما يتعلق بمن يقود الجيش الليبي او مؤسسات الدولة.
السيدات والسادة،
لقد وصلنا الى مرحلة لم يعد يجدي فيها السكوت أو غض النظر عن الاعمال الإرهابية في ليبيا ضد المواطنين، وضد السلطات الشرعية ومؤسسات الدولة والمرافق الاقتصادية. وأقول بكل وضوح ان سكوت المجتمع الدولي عن استيلاء المنظمات الإرهابية على مدينتي درنه وبنغازي قد شجعها وحلفاؤها على الاستيلاء على العاصمة طرابلس، وان السكوت على تدميرها لمطار طرابلس الدولي، والاستيلاء على مؤسسات الدولة، وطرد الحكومة الشرعية منها، قد شجعها على مواصلة الحرب للاستيلاء على الموارد النفطية للبلاد، خاصة بعد ان نجح الجيش الليبي في طردها من اغلب احياء مدينة بنغازي، وأوقف تقدمها في الجبل الغربي.
أيها السيدات والسادة،
ان الارهاب ليس عقيدة فقط، بل هو افعال بالدرجة الاولى، وتعريف الارهاب في الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب يشمل كل فعل يلحق “الضرربالبيئة، أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها، أو الإستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”٠ هذا هو تعريف الإرهاب في الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وهذا ما دعا مجلس النواب الليبي الى تصنيف تحالف ميليشيات فجر ليبيا كميليشيات ارهابية، ولا أعتقد أن هناك من ينكر أن هذا التعريف ينطبق عليها تماما، وقد صنفها كذلك بعد حرقها لمطار طرابلس، ومنازل سكان ورشفانه غرب طرابلس ومنازل المسؤولين، والاستيلاء على مؤسسات الدولة في العاصمة، ومهاجمة الهلال النفطي. إذا لم يكن مجلس النواب مخطئا أبدا رغم معارضة بعض أعضاء هذا المجلس.
السيدات والسادة،
ان الشعب الليبي يشعر بالخذلان من المجتمع الدولي بسبب غياب الدعم الكافي لمجلس النواب المنتخب والحكومة المنبثقة عنه، والسكوت على بعض الدول التي تدعم الميليشيات التي تسعى لإسقاط البرلمان، وتشجعها على مواصلة احتلالها للعاصمة طرابلس ومؤسسات الدولة. بل ان هناك من يشوه الحقائق ويتغاضى عن الجرائم لتكريس الوضع الراهن؛ فممثل إحدى الدول دائمة العضوية في هذا المجلس لم يخجل للأسف من أن يزعم بأن إحدى الميليشيات المتحالفة مع أنصار الشريعة هي الوحيدة التي تحارب الإرهاب في ليبيا، وأنا اتحداه وحكومته، إن كان ما قاله رأي حكومته، أن يقنع تلك الميليشيات بمجرد إعلان فك ارتباطها بأنصار الشريعة، أو أن تصف أنصار الشريعة بأنها تنظيم ارهابي كما فعل هذا المجلس. مثل هذه التصريحات تستدعي إعتذارا رسميا من الدولة المعنية للشعب الليبي.
من الواضح الآن أن إحدى الدول دائمة العضوية لا تريد للسلطات الشرعية استعادة العاصمةً بتقديمها الدعم السياسي لميليشيات معينة، ومعارضتها تسليح الجيش الليبي بكل قوة. وهذا التصرف يثير الكثير من الأسئلة لدى عامة الشعب الليبي، الذي يتطلع الى الامن والسلام، ووقف سفك الدماء. واسمحوا لي ان أشاطركم بعض التحليلات السائدة في الأوساط السياسية والثقافية الليبية وهي تقول بأن هذه الدولة إما تخطط مع عملائها لتقسيم ليبيا، أو تحاول تهيئة الطريق لمواطنيها من أصل ليبي ليكونوا على رأس السلطة في ليبيا، بإعتبارهم الأغلبية في قيادة ما يسمى بالتيار الإسلاماوي. وأيا كانت الأهداف فإنها لا تخدم الامن والسلم في ليبيا والعالم، ولا تتماشى ومسؤولياتها كعضو دائم في مجلس الامن، وستكون لها اثار مدمرة على العلاقات الطيبة التى تعززت بين الشعبين في السنوات الاخيرة. هناك دول أخرى ومنها أعضاء في هذا المجلس، ودول من المنطقة لم تستجب لرغبة الحكومة الشرعية في تغيير السفراء المعتمدين لديها، وهي بذلك من الناحية العملية تقيم علاقات دبلوماسية مع الميليشيات التي تسيطر على العاصمة، والمتحالفة مع أنصار الشريعة، وقد تضطر الحكومة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح هذا الوضع، ولو إستدعى الأمر تعليق العلاقات مع هذه الدول.
إن اعاقة استعادة السلطات الشرعية لمؤسسات الدولة في العاصمة، وبسط سلطة الدولة على جميع أراضيها، يعني فقط دعم انتهاكات حقوق الانسان المستمرة.. ويعني التستر على جرائم التهجير القسري للمواطنين الليبيين من ورشفانه وتاورغاء وعددا من القرى الليبية الاخرى.. يعني استمرار مئات الآلاف من اللاجئين الليبيين يعانون شظف العيش في الدول المجاورة، واستمرار حرمان ابنائهم من الدراسة. هذه المآسي لا يمكن ان يرتبط حلها بنتائج حوار وطني بقي حتى الآن رهينة لإرادة ميليشيات تقتات على الجرائم، وتتلذذ بإذلال الليبيين، وفرغت البلاد من المثقفين والناشطين السياسيين والحقوقيين بسبب التهديد. إن معالجة الوضع الأمني ومحاربة الارهاب يجب ألا يبقيا رهينة للنجاح في الحوار الوطني، بل يجب أن يكون موازيا للحوار، اذا أردنا لليبيا ألا تسقط بكاملها في يد الارهاب. وإذا أردنا للإرهاب ألا ينتشر في المنطقة بأسرها.
إن الشعب الليبي يتطلع الى نجاح السيد بيرناردينو ليون في إقناع قادة الميليشيات، أقول قادة الميليشيات وليس القادة السياسيون بقبول تشكيل حكومة وحدة وطنية من ليبيين لا يحملون الجنسيات الأجنبية، يعتمدها مجلس النواب بجميع أعضاءه، وتتولى مهامها في العاصمة، وفي تاريخ محدد، بعد ان تنسحب منها كل الميليشيات، ويتوفر لها الامن اللازم لممارسة مهامها، بعيدا عن التهديد والابتزاز.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
أريد ان أؤكد بانه للمرة الاولى منذ عام 2011 توجد في ليبيا حكومة شرعية لا تخضع لتهديد الميليشيات وابتزازها، وما كان ليتحقق ذلك لو لم يعاد تجميع بعض وحدات الجيش الليبي وتنظيمها في المنطقة الشرقية. قد يكون أداء الحكومة ضعيفا، أو ليس في مستوى توقعات الشعب الليبي، والمجتمع الدولي، ولكن هناك ظروفا موضوعية تجعل هذه الحكومة الشرعية غير قادرة على تلبية طموحات الشعب الليبي، فهي تعمل من خارج مقارها في العاصمة طرابلس، وتعمل بعدد محدود من موظفيها، وتعمل دون موارد مالية تذكر، وتعمل في ظروف حرب، ودون دعم يذكر من المجتمع الدولي للأسف.
لا يمكن أن نمنع الحكومة من اقتناء السلاح، والاجهزة والمعدات العسكرية المناسبة لتعزيز قدرات الجيش والاجهزة الأمنية، وفي نفس الوقت نلومها على عدم قدرتها على السيطرة على الأوضاع الأمنية، وعلى الحدود، وعدم قدرتها على منع انتشار السلاح داخل البلاد وخارجها.
لقد قدمت رئاسة أركان الجيش الليبي طلبات محددة للإعفاء من حظر السلاح إلى لجنة العقوبات، تتعلق بتعزيز قدرات سلاح الجو الليبي ليتمكن من مراقبة الاراضي والحدود الليبية، ويمنع وصول الإرهابيين الى حقول النفط، والمنشآت النفطية، وحماية ثروات البلاد، وسنرى في الأيام القادمة مدى جدية أعضاء مجلس الامن وحرصهم على الامن والاستقرار في ليبيا والمنطقة.
ان الشعب الليبي لن يقبل من الآن فصاعدا الوقوف على الحياد بين السلطات الشرعية والتنظيمات الإرهابية، ولن يقبل ان تستمر أي دولة، تدعي الخير لليبيا، في تزويد ميليشيات فجر ليبيا بالسلاح والدعم السياسي والاعلامي، ويجب ان يكون موقف هذا المجلس، وبعثة الامم المتحدة في ليبيا واضحا مما تقوم به تلك الدول، ومتسقا مع قرارات مجلس الامن وخاصة القرار 1373 (2001) والقرار 2174 ( 2014).
إن من يريد ان يكون شريكا لليبيين او وسيطا نزيها فعليه ان يستمع الى سلطتهم الشرعية التي إنتخبوها، ويراعي مصلحتهم، ويحترم ارادتهم المعبر عنها في الانتخابات.
شكرًا السيد الرئيس

 

Tweet about this on TwitterShare on FacebookShare on Google+Print this pageEmail this to someone