السفير ابراهيم عمر الدباشي

كلمتي أمام مجلس الأمن حول الوضع في ليبيا، 27/8/2014

2014/8/27

كلمتي أمام مجلس الأمن
حول الوضع في ليبيا
نيويورك في، 27/8/2014

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس،

أشكركم على إتاحة الفرصة لي للتحدث في هذه الجلسة، وأهنئكم على توليكم لرئاسة المجلس خلال هذا الشهر، وأشكركم ووفد المملكة المتحدة على إعدادهم لمشروع القرار، وقيادتهم للمشاورات حوله.
السيد الرئيس، لا أعرف مغذى عدم إشراك الوفد الليبي في جزء من هذه الجلسة عند إعتماد المجلس لمشروع القرار وعدم تمكينه من الجلوس في المقعد المخصص. هل هذا إجراء جديد أقره المجلس أم تصرف من الرئيس أم من الأمانة. الحقيقة لم أعرف ما هي الحكمة من هذا الإجراء وما هي الرسالة (إن وجدت رسالة) الموجهة للوفد الليبي من هذا التصرف الذي يعتبر سابقة.
في البداية أريد أن أقدم الشكر للسيد طارق متري الممثل الخاص للأمين العام على أحاطته، وبما أنه يستعد لمغادرتنا قريبا اسمحوا لي أن أشيد بحنكة السيد متري وصبره ومثابرته وإصراره على تقديم ما يستطيعه وفريقه من أجل مساعدة ليبيا في الخروج من الوضع الصعب الذي تجتازه، وانا أؤكد اليوم من جديد بأن السيد متري قد استطاع خلال فترة السنتين اللتين قضاهما على رأس البعثة من إقامة صداقات عديدة، وحظي باحترام كل من يعرف طبيعة ولاية البعثة والأوضاع السياسية والأمنية المعقدة في ليبيا، وأنا متأكد أن أغلب المواطنين الليبيين يكنون له كل الاحترام والتقدير، ولا شك أن أغلب من تعامل معهم يعتبرونه أخا وصديقا. وبما انه يغادر المنصب باختياره فليس أمامنا إلا ان نتمنى له كل التوفيق فيما سيقوم به في المستقبل، ونتطلع الى ما سيكتبه في مذكراته بعيدا عن قيود المنصب. وبهذه المناسبة أرحب بتعيين السيد برناندينو ليون خليفة للسيد متري، وهو ليس غريبا عن ليبيا ولا عن المهمة، بحكم تجربته كمبعوث للاتحاد الأوروبي في ليبيا، وأنا أهنئه بثقة السيد الأمين العام فيه وأتمنى له كل التوفيق، وأؤكد له بأن الحكومة الليبية لن تتوانى في مساعدته على إنجاز مهمته.
السيد الرئيس،
لا أعتقد انني أضيف جديدا عندما أقول أن الوضع في ليبيا معقد، ولكن من المؤكد أن الوضع منذ 13 يوليو الماضي أصبح أكثر تعقيدا وينذر بحرب أهلية واسعة النطاق اذا لم تتم معالجته بالعقل والحكمة من جميع الأطراف. لقد استبعدت شخصيا الحرب الأهلية باستمرار، ولكن الوضع تغير. كانت الحوادث الأمنية محدودة وفردية ومنعزلة، أما الاشتباكات الأخيرة في مدينة طرابلس وحولها فقد كانت الأولى من نوعها بين مجموعتين مسلحتين وبالأسلحة الثقيلة وكل منهما كان لها حلفاءها من مناطق أخرى، وللأسف كانت المجموعتين الأكثر مساهمة في ثورة 17 فبراير، وكانتا تقاتلان جنبا الى جنب ضد الدكتاتورية والطغيان، وهما المجموعتان الأكثر تسليحا بعد الثورة، ولكن الكثير من الليبيين يرى أن تقاسمهما السيطرة على مدينة طرابلس مع حلفائهما، وتخويفهما للمسؤولين وتدخلهما في عمل الحكومة والمؤتمر الوطني هو ما أوصل البلاد الى الفوضى الحالية. ومع ذلك من الإنصاف القول أن إحدى المجموعتين تؤيد حاليا مجلس النواب والحكومة بينما المجموعة الثانية تناصبهما العداء وتشكك في شرعيتهما. ولست هنا لأحكم من المخطىء ومن الذي على صواب فجميع المجموعات المسلحة في ليبيا، بما في ذلك ما بقي من وحدات الجيش تعمل في أغلب الأحيان خارج القانون، ولا تخضع لوزارة الدفاع ولا الحكومة، ولكن ما أقوله أن الدمار الذي لحق بمؤسسات الدولة، والإستهداف المقصود لمرافق مطار طرابلس، والطائرات الرابضة فيه، وخزانات الوقود، ومقار الحكومة والوزارات ومؤسسات الدولة، كلها تمثل جرائم خطيرة يتحمل مسؤوليتها كل من قام بها أو أمر بها أو حرض عليها، تماماً كما يتحمل مسؤولية من قتل من المدنيين الأبرياء، ومن الشباب الذين زج بهم في الحرب، ومسؤولية تهجير السكان من بيوتهم، ومسؤولية سرقة محتويات البيوت وحرقها، وحرق المكتبات العامة، وهي جرائم تقع ضمن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي باشرت في التحقيق فيها.
كل الاشتباكات المسلحة تخلق عداوات جديدة، وتخلق رغبات جديدة في الإنتقام، وتخلق حالة نفسية جديدة تطرد الحكمة، وتعادي التسامح، ولا نجد من القيادات السياسية والدينية ووسائل الإعلام إلا من يحرض على الإقتتال وعدم إحترام القانون ومؤسسات الدولة. لم يعد هناك من يدعو الى التسامح، والمحبة والأخوة ونبذ العنف، وضاعت قيم الحق والعدل والصدق، وسيطر الحقد والحسد وحب الذات. للأسف لم يعد لمبادىء الدين الاسلامي مكاناً في قلوب المجموعات المتقاتلة والتيارات السياسية المتنازعة. الأصوات القوية في وسائل الإعلام فقط تلك التي تحرض على العنف وتنشر الإشاعات وتزور الأخبار، وكثير من تلك الأصوات لأشخاص يحملون جنسيات أجنبية، وعائلاتهم تقيم خارج ليبيا، ولا يهمهم من مات وما يدمر إلا بقدر ما يحقق لهم من الفائدة الشخصية.
السيد الرئيس،
هناك حاجة ملحة لمساعدة الليبيين في نزع سلاح المجموعات المسلحة وخاصة الأسلحة الثقيلة، فهو الضمانة الوحيدة لوقف نزيف الدم، وحفظ حياة الشباب الذين يستخدمهم السياسيون، والباحثون عن السلطة كوقود لحرب قذرة تتعارض مع كل المبادىء الدينية والأخلاقية، وهو الضمانة الوحيدة لعدم استخدامها داخل المدن، وتهجير سكانها كما حدث في الأسابيع الماضية. وأعتقد أنه لا يوجد خيار آخر أمام أعضاء المجموعات المسلحة اذا أرادوا أن يعيشوا حياة طبيعية ويستمتعوا بمستقبلهم إلا الإنصياع لقرار مجلس النواب بحل التشكيلات المسلحة والتخلص من أسلحتهم. وفي هذا الصدد هناك خياران؛ إما أن تقتنع المجموعات المسلحة بأهمية إعادة تنظيم الجيش، وإصلاحه وتسليم الأسلحة إليه، أو توافق على قدوم قوة عربية أو إسلامية محدودة العدد لإستلام الأسلحة وتخزينها وتأمينها. وأنا أعتقد أن قيام مجلس النواب بتعيين رئيس أركان جديد من الثوار من شأنه أن يساعد في إعادة تكوين الجيش بعقيدة جديدة، وآمل أن تتعاون معه كل المجموعات المسلحة لتنظيم الجيش وادماج من يرغب من الشباب في الإنضمام إليه، بعد حل التشكيلات المسلحة.
السيد الرئيس،
ان الأوضاع السائدة في مدينتي طرابلس وبنغازي قد أجبرت مجلس النواب على الاجتماع بعيدا عن المدينتين، دون مخالفة للإعلان الدستوري الذي ينص على أن مقر مجلس النواب في مدينة بنغازي ويجوز له الاجتماع في أي مدينة أخرى. إن من واجب المجتمع الدولي مساعدة مجلس النواب والحكومة الليبية في استعادة بسط سلطة الدولة وسيادتها على جميع الأراضي الليبية، من خلال محاربة الإرهاب، وتسريح وإدماج المجموعات المسلحة، ونحن نرحب بالدور الذي تقوم به دول الجوار في مساعدة السلطات الليبية على استعادة الأمن والاستقرار، ونثني على نتائج إجتماع وزراء خارجية دول الجوار الذي عقد بالقاهرة يوم 25 اغسطس الجاري، والذي دعا في بيانه الختامي، بين أمور أخرى، الى ما يلي:

1.الوقف الفوري لكافة العمليات المسلحة من أجل دعم العملية السياسية، وتعزيز الحوار مع الأطراف السياسية التي تنبذ العنف، وصولا لتحقيق الوفاق الوطني والمصالحة ووضع دستور جديد للبلاد. والتأكيد على الدور الأساسي والمحوري لآلية دول جوار ليبيا وخصوصيتها فيما يتعلق بتطورات الوضع في ليبيا، وضرورة إشراكها في مختلف المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة لإيجاد تسوية توافقية للأزمة الليبية.

2.تنازل جميع الميليشيات والعناصر المسلحة وفق نهج متدرج المراحل ومتزامن من حيث التوقيت عن السلاح والخيار العسكري في إطار إتفاق سياسي بين كل الفرقاء التي تنبذ العنف ووفق آلية مستقلة تعمل برعاية إقليمية من دول الجوار ومساندة دولية.

3.التأكيد على إلتزام الأطراف الخارجية بالإمتناع عن توريد وتزويد الأطراف غير الشرعية بالسلاح بجميع أنواعه، وتعزيز المراقبة على كافة المنافذ البحرية والجوية والبرية الليبية لتحقيق هذا الهدف، ولا يسمح بإستيراد أي نوع من الأسلحة إلا بناء على طلب من الدولة الليبية وبعد موافقة لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن.

4.مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله، وتجفيف منابع تمويله ومحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وغير ذلك من الأنشطة غير المشروعة.

5.دعم دور المؤسسات الشرعية للدولة وعلى رأسها مجلس النواب، وإعادة بناء وتأهيل مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والشرطة، من خلال برامج محددة لبناء السلام، بما يساهم في تثبيت الإستقرار والأمن وتعزيز جهود تحقيق التنمية.

6.تقديم المساعدة للحكومة الليبية في جهودها لتأمين وضبط الحدود مع دول الجوار وفق برنامج متكامل، ووقف كافة الأنشطة غير المشروعة للتهريب بكافة أنواعه.

7.توفير آلية تتضمن تدابير عقابية متدرجة يتم اللجوء إليها في حالات عدم الإمتثال، بما في ذلك فرض عقوبات موجهة ضد الأفراد والجماعات الذين تثبت مسؤوليتهم عن عرقلة مسار العملية السياسية وتحقيق الإستقرار.
السيد الرئيس،
ان القرار الذي إعتمده المجلس منذ قليل خطوة جيدة، ويوجه رسالة واضحة إلى الأطراف المتقاتلة، ومع ذلك فإن الشعب الليبي ينتظر إنخراطا إيجابيا فاعلا من المجتمع الدولي، وفقا للخطة التي أقرها مجلس النواب والحكومة والتي أحلتها إليكم يوم أمس، لإعادة الأمن والاستقرار، وإبعاد شبح الخوف والإرهاب عن المواطنين، وتمكينهم من التعبير عن آراءهم بكل حرية دون اتهامهم بالانحياز الى أي طرف أو قتلهم أو اختطافهم أو تعذيبهم، وهي الممارسات السائدة حاليا من جانب المجموعات المسلحة ضد المثقفين والناشطين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين، الذين فر أغلبهم خارج البلاد بسبب التهديد، وتم إغتيال وإختطاف العديد منهم دون معرفة الفاعل.
هناك انتكاسة شديدة لحرية التعبير في ليبيا بسبب تغول المجموعات المسلحة، وغياب قوة إنفاذ القانون، ونأمل أن يرجع الجميع للعقل ويغلب المصلحة العامة على مصلحته الشخصية.

شكرًا السيد الرئيس.

Tweet about this on TwitterShare on FacebookShare on Google+Print this pageEmail this to someone