السفير ابراهيم عمر الدباشي

كلمتي في مجلس الأمن اليوم 2014/5/13

2014/5/13

كلمتي في مجلس الأمن اليوم 2014/5/13 بمناسبة تقديم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتقرير نصف السنوي حول التحقيقات في الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير 2011:

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس،
إسمحوا لي في البداية أن أهنئكم على توليكم رئاسة المجلس خلال هذا الشهر، وأتمنى لكم ولوفدكم النجاح في هذه المهمة. وأشكر صاحبة السعادة السيدة فاتو بن سودة، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على إحاطتها الإعلامية.
السيد الرئيس،
بعد سقوط الدكتاتورية في ليبيا في العشرين من شهر أكتوبر عام 2011، أعلنت الحكومات الليبية المتعاقبة، حرصها على إقامة العدل، ومكافحة الإفلات من العقاب، وعزمها العمل على إحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. ورغم أن ليبيا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي إلاّ أنها إختارت العمل مع المحكمة الجنائية الدولية، وطلبت المساعدة من الأمم المتحدة في مجال بناء القدرات، وإصلاح قطاع الأمن، بما في ذلك النظام القضائي، بهدف تحقيق السياسات المعلنة، وقطع الصلة مع ممارسات النظام السابق.
وقد أقامت ليبيا شراكة حقيقية مع المحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، وهما شراكتان جسدَتْهما مذكرة التفاهم التي وقعها النائب العام الليبي مع المدعي العام للمحكمة في شهر نوفمبر 2013، وقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 25/37 بتاريخ 28 مارس 2014، الخاص بتقديم المساعدة التقنية إلى ليبيا.
وتنطلق مذكرة التفاهم الموقعة مع المحكمة من الرغبة في تجسيد التكامل الإيجابي بين القضاء الليبي والمحكمة الجنائية الدولية، من خلال تقاسم عبء التحقيقات والملاحقات القضائية الإضافية، لمرتكبي الجرائم الخطيرة وتقديمهم إلى العدالة، ومن المتوقع أن يتوصل الطرفان إلى بعض الخطوات العملية لتنفيذ مذكرة التفاهم خلال الزيارة المرتقبة للسيدة المدعي العام إلى ليبيا.
وتجدر الإشارة إلى أن الإتصالات جارية حالياً بين قلم المحكمة وممثل ليبيا لدى المحكمة، لإعداد إتفاق إمتيازات وحصانات موظفي المحكمة الجنائية الدولية والعاملين معها في ليبيا.
السيد الرئيس،
في اطار العمل على تحسين اوضاع المعتقلين قامت وزارة العدل مؤخراً بحصر جميع نزلاء مؤسسات الإصلاح والتأهيل، الذين يبلغ عددهم (6186)، من بينهم (646) صدرت ضدهم أحكام قضائية ويقضون عقوبتهم. وتحاول السلطات القضائية تسريع محاكمة النزلاء الآخرين إلاّ أنها تواجه تحديات كبيرة في تحقيق ذلك.
ولمواجهة بعض التحديات القائمة أصدر المؤتمر الوطني العام يوم 26 مارس 2014، القانون رقم (7) لسنة 2014 عدّل بمقتضاه قانون الإجراءات الجنائية بحيث يسمح للمحكمة في حالات الضرورة التي يخشى فيها على سلامة المتهم، أو الخوف من فراره، الإستعانة بوسائل الإتصال الحديثة لربط المتهم بقاعة جلسة المحكمة، وإتخاذ الإجراءات بمواجهته بهذه الطريقة. وينطبق هذا الإجراء على الشهود، والخبراء، والمدعي، والمسؤول عن الحقوق المدنية، إذا توفرت شروط الضرورة.
وقد مكَّن هذا التعديل على قانون الإجراءات الجنائية محكمة إستئناف طرابلس من عقد جلسة محاكمة علنية، عبر الدائرة المغلقة، مَثلَ أمامها (31) من مسؤولي النظام السابق، من بينهم سيف القذافي، وعبدالله السنوسي، والبغدادي المحمودي، ونُقِلَت المحاكمة مباشرة على عدد من القنوات المرئية، من قاعات محاكم إستئناف في ثلاث مدن هي طرابلس ومصراته والزنتان، حيث كان (22) متهماً في طرابلس، وثمانيةُ متهمين في مصراته، ومتهمٌ واحدٍ في الزنتان.
وإلتزاماً بمبدأ الشفافية، حضر وقائع جلسة المحكمة مندوبون عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومندوبون عن منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني، ومراسلو وسائل الإعلام.
وحرصاً على توفير جميع الضمانات التي كفلها القانون للمتهمين، ومن بينها حقُ الدفاع، قامت إدارة المحاماة العامة بتكليف المحامية سميحة الكاسح لتتولى الدفاع عن المتهم سيف القذافي، وباشرت الدفاع عن المتهم أمام المحكمة. كما منحت المحكمة الفرصة للمتهم عبد الله السنوسي لتوكيل محام خاص للدفاع عنه، بعد أن إعتذر محاميه عن الإستمرار في الدفاع عنه.
وتتطلع السلطات القضائية الليبية إلى إعتراف المحكمة الجنائية الدولية بولاية القضاء الليبي في محاكمة سيف القذافي، وتأكيد إعترافها بولاية القضاء الليبي في محاكمة عبدالله السنوسي.
السيد الرئيس،
لا شك أنكم تدركون، كما يدرك أعضاء المجلس، تعقيدات الوضع الداخلي في ليبيا، والصعوبات والتحديات التي تواجهها السلطات الليبية في هذه المرحلة الإنتقالية، ومع ذلك فإن عملية الإنتقال نحو الديمقراطية تحقق تقدماً مستمراً، رغم أنه بطيئاً، ولكن الليبيين عازمون على النجاح، وليس أمامهم أي خيارٍ إلاّ النجاح ولو تأخر ، خاصة وأن لديهم كل الشروط لتحقيقه. وعلى المجتمع الدولي ألاّ يشك في قدرة الشعب الليبي على تجاوز المرحلة بنجاح، ومن واجبه ألاّ يتوانى في تقديم المساعدة كلما كانت السلطات الليبية في حاجة إليها.
وأؤكد من جديد إلتزام السلطات الليبية بالمساءلة عن الجرائم المرتكبة، ومكافحة الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة للضحايا، وحماية جميع مواطنيها والأجانب المتواجدين على أراضيها، وهي تسعى إلى تطوير إستراتيجية شاملة ومتكاملة لمحاكمة كل مرتكبي الجرائم، وإنتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا، منذ 15 فبراير 2011، بغض النظر عن مرتكب الجريمة والضحية. وستكون آليات العدالة الإنتقالية مكون أساسي في تلك الإستراتيجية، التي تهدف في النهاية، ليس فقط لإقامة العدل، بل أيضا تحقيق المصالحة الوطنية، ونبذ الخلافات، وعودة اللاجئين والمشردين الذين يبلغ عددهم حوالي نصف مليون، إلى بيوتهم.
وتحرص الحكومة الليبية على التوازن بين تحقيق العدالة، وعدم الإضرار بالعملية السياسية، وتحاشي كل ما من شأنه أن يخلق تصدعاً في العلاقة بين السلطات والفعّاليات المختلفة على الساحة السياسية، والذي قد يُعرقل العدالة، ويُزعزع الأمن بشكل خطير، ويضع المزيد من العراقيل أمام التحول الديمقراطي.
السيد الرئيس،
أريد في الختام أن أثني على التعاون القائم بين مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بقيادة السيدة فاتو بن سودة، ومكتب النائب العام الليبي، وأنا واثقٌ من أن العدالةَ والمعاييرَ الدوليةَ لن تضيعَ في ظلِ التعاونِ والتفاهمِ بين الطرفين.
كما أنتهز هذه الفرصة لأجدد لأعضاء مجلس الأمن الشكر على الدعم الذي قدّموه للسلطات الليبية في هذه المرحلة الحرجة. ويتطلع الشعب الليبي إلى مزيد من المساعدة في حث الدول على إحترام قرارات مجلس الأمن، ومساعدة السلطات الليبية في تتبع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في ليبيا، وتسليمهم إلى السلطات القضائية الليبية، وكذلك تتبع أموال الأشخاص المشمولين بتجميد الأموال بمقتضى قرارات مجلس الامن، وإبلاغ مجلس الأمن بها، حتى تُتَخذ الإجراءات اللازمة لإعادتها إلى الشعب الليبي بالطرق القانونية. واذ اشكر جمهورية النيجر الشقيقة على تسليمها لكل من الساعدي القذافي وعبدالله منصور للقضاء الليبي، ارجو ان تحذوا جميع الدول حذو النيجر وتسلم المطلوبين للعدالة المقيمين على اراضيها الى السلطات الليبية.
وشكراً السيد الرئيس.

Tweet about this on TwitterShare on FacebookShare on Google+Print this pageEmail this to someone