السفير ابراهيم عمر الدباشي

كلمتي في مجلس الامن يوم 2013/5/8

2013/5/8

بسم الله الرحمن الرحيم

أشكركم السيد الرئيس على إتاحة الفرصة لي للحديث في هذه الجلسة الهامة لمجلس الأمن، وأهنئكم على ترؤسكم للمجلس خلال هذه الشهر، وأتمنى لكم ولوفدكم النجاح في هذه المهمة. كما أشكر السيدة فاتو بنسوده المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على إحاطتها الشاملة حول عمل المحكمة فيما يتعلق بليبيا.

لقد أوضحت السيدة المدعي العام العلاقة الممتازة التي تربط بين المحكمة الجنائية الدولية، ممثلة في مكتب المدعي العام، والسلطات القضائية الليبية، ومن الواضح أن هذه العلاقة تقوم على التكامل والتعاون، وأن الطرفين يقودهما هدف مشترك هو تحقيق العدالة، وعدم السماح بالإفلات من العقاب. ولا شك أن محادثات السيدة المدعي العام مع النائب العام الليبي، التي أشارت إليها في إحاطتها، قد دفعت هذا التعاون إلى آفاق جديدة، من خلال طرح أفكار جديدة، يمكن أن تنقل علاقة التعاون بين الطرفين إلى شراكة حقيقية في إطار التكامل، وذلك من خلال إقتراح قيام مكتب المدعي العام بالتحقيق مع المتهمين بإرتكاب جرائم خطيرة والموجودون خارج ليبيا.

تحدثت السيدة المدعي العام بإستفاضة حول محاكمة سيف القذافي وعبدالله السنوسي، ولكنني أؤكد من جديد أن ظروف إعتقالهم تتفق تماما مع المعايير الدولية، وأن محاكمتهما ومحاكمة المسؤلين عن الجرائم الخطيرة أيضا ستكون في إطار الممارسات الدولية المتعارف عليها في القضاء العادل والنزيه، وأن كل الترتيبات التقنية قد أتخذت للبدء في المحاكمات عند إنتهاء التحقيقات.

وأريد أن أؤكد اليوم من جديد حرص ليبيا الكامل على قطع الصلة بممارسات النظام السابق، وإصرارها على سيادة حكم القانون، وقد أكدت السلطات القضائية عزمها على إجراء محاكمات عادلة ونزيهة وشفافة لجميع المتهمين بإرتكاب جرائم أوإنتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال الثورة ضد الطاغية القذافي، وكذلك خلال فترة حكمه التي إمتدت لإثنتين وأربعين عام.

وعندما نتحدث عن سيادة حكم القانون فإننا نعني أنه لن يكون هناك أحدا فوق القانون، ولن يتم العفو على أي مرتكب للجرائم الخطيرة إلا بناء على ترتيب عام، في إطار الإستراتيجية العامة للعدالة الإنتقالية، والمصالحة الوطنية، وبموافقة اولئك الذين وقع عليهم الضرر أو ذويهم، وبما يضمن تجاوز الماضي وإرساء السلم الإجتماعي.

وأؤكد لكم أن ليبيا تنظر إلى المحكمة الجنائية الدولية على أنها شريك هام وضروري في هذه المرحلة لتحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب، وكذلك للمساعدة في بناء القدرات التقنية، وتأمل ليبيا أن تتعاون كل الدول مع السلطات القضائية الليبية، ومع المحكمة الجنائية الدولية، في إجراء التحقيقات، والمساعدة في تقديم المطلوبين للعدالة، وعدم توفير الملاذ الآمن لهم، أو التحجج بمبررات واهية لتأخير تسليمهم إلى السلطات القضائية الليبية، خاصة وأن تأخر مثول هؤلاء المطلوبين أمام العدالة يحرم السطات القضائية الليبية من التحقق من بعض الأقوال التي وردت خلال التحقيقات مع متهمين آخرين، ومن ثم تعيق الحصول على الحقائق وتحقيق العدالة.

ولا يفوتني أن أشير هنا من جديد إلى أن الكثير من مسؤولي نظام القذافي، المتهمين بإرتكاب جرائم ما زالوا أحرارا يمارسون أعمالهم العادية وحتى مؤامراتهم ضد أمن ليبيا وإستقرارها في دول أخرى خارج ليبيا، وأريد أن أذكر جميع الدول بأنها ملزمة بمقتضى الفقرة الثامنة من قرار مجلس الأمن رقم 2040(2012) وكذلك قرارات مجلس الأمن في مجملها وإلتزاماتها وفقا لنظام روما الأساسي، بالتعاون بصورة وثيقة مع السلطات الليبية في جهودها للحد من الإفلات من العقاب. وأنتهز هذه المناسبة لأؤكد بأن عدم الإستجابة لطلبات التسليم المقدمة من السطات القضائية الليبية للسلطات في تلك الدول التي تأوي المتهمين سينظر إليه على أنه إعاقة للعدالة، وعمل غير ودي، وستكون له آثار سيئة على العلاقات بين ليبيا وهذه الدول في المستقبل.

أعرف أن كثيرين يتساءلون عن الأحداث الأخيرة التي وقعت في ليبيا المتمثلة في محاصرة وزارتي العدل والخارجية، والضغوط التي مورست على المؤتمر الوطني العام لإصدار قانون العزل السياسي، وهي تصرفات ناتجة عن التوقعات العالية، وغير الواقعية لكثير من الشباب، بعد إنتهاء الديكتاتورية، وهي في الغالب تنطلق من الرغبة

في تحقيق مصالح شخصية بصورة عاجلة. وطبيعي من المتوقع في مثل الوضع الذي تمر به البلاد، أن نشهد على المسرح السياسي تجاوزات سياسية غير ناضجة، ومناكفات حزبية تقودها في أغلب الأحيان طموحات شخصية، وليست أيديولوجية، ولكنها في الحالة الليبية كانت دائما في الإطار المعقول، الذي قد يؤخر بعض الشيء مسيرة بناء الدولة إذا تكرر وأصبح ظاهرة، ولكنه من المؤكد لا يقوض عملية التحول الديمقراطي.

والحكومة المؤقتة ليست في موقف ضعف للتعامل مع هذه التجاوزات ولكنها تدرك تماما حجم التحديات القائمة، وتتصرف بحكمة حيال الإستفزازات التي تتعرض لها مؤسسات الدولة الناشئة، وهي عازمة على عدم أستخدام القوة ضد هذه التجاوزات التي تقوم بها بعض المجموعات المسلحة، المنضوية تحت سلطة وزارة الدفاع، والناتجة عن عدم معرفة أفراد هذه المجموعات بالقوانين العسكرية، بسبب عدم خضوعهم للتدريب العسكري المعتاد. أن الحكومة ملتزمة بتحاشي توجيه سلاح الليبيين ضد بعضهم بصورة مطلقة، ولن تستخدم القوة المشروعة إلا في حالة الخروج الخطير عن القانون والإصرار عليه، أو التهديد الواضح للأرواح أو الأضرار الجسيمة بممتلكات الدولة أو ممتلكات الدول الأجنبية ورعاياها. ومع ذلك فالحكومة عازمة على إرساء حكم القانون، وإحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتتطلع دائما إلى مساعدة المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة في إنجاز التحول الديمقراطي، وإرساء قواعد دولة آمنة ومستقرة.

وأخيرا أريد أن ألفت الإنتباه إلى أن المرحلة الإنتقالية التي تمر بها ليبيا مرحلة حاسمة ومصيرية بالنسبة للشعب الليبي، وتواجه الحكومة المؤقتة عددا من التحديات المعقدة والمتداخلة، التي تتطلب معالجة حكيمة ومتأنية، تراعي جميع الجوانب، لكي تساهم في تحسين الأوضاع الأمنية، وتخلق الظروف المناسية لتحقيق العدالة، وبناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة. وكذلك تؤدي إلى تنشيط الإقتصاد، والإستجابة لطموحات المواطنين. ولا شك أن تفهم هذا المجلس والمجتمع الدولي ومساعدته للحكومة في بناء القدرات سيساهم بشكل كبير في الإنتقال السلمي إلى ديمقراطية مستقرة بطريقة سلسة.

وشكرا السيد الرئيس.

Tweet about this on TwitterShare on Google+Share on FacebookShare on RedditPrint this pageEmail this to someone